لا شك أن إجابات السلف في تعريف التقوى توضح المقصود.. لكنه سؤال ظل يراودني كثيرا فنحن نفهم المعنى ولا نحسن أن نعبر عنه..
لعل الكثير يظن أن التقوى هيئة معينة أو حال تستلزم أن يكون الرجل عالماً وصالحاً قواماً صواماً وإلا فلا حظ له أن يكون من المتقين..
وبعد التأمل في التعاريف المأثورة ومن قبلها عشرات الآيات في مختلف المواضيع والجوانب، أستطيع أن أقول أن التقوى هي:
العمل بما يقتضيه الشرع في الحال الراهنة..
فمن أصيب بمصيبة مثلا فالتقوى : أن يصبر ويسترجع ويحسن ظنه بربه ولا يبدي تسخطاً..
ومن كان في ضائقة مالية فالتقوى : أن يلجأ إلى الله ويوقن بفرجه ويتعفف عن الحرام وأن يقوم بالأسباب التي بمقدوره ووفي حيز استطاعته.. فإن انعدم السبب فالدعاء واللجأ إلى الله هو أقوى سبب..
والزوج الذي اكتوى بنار الخلاف مع زوجه، فالتقوى : أن ينصفه من نفسه ويدع المكابرة فيطلب الصلح ويصدق في إرادة الإصلاح..
وصاحب الدين الذي أخذ أموال الناس، فالتقوى : أن ينوي سدادها بصدق ويسعى في ذلك وان يبادر فلا يؤخرها..
ومن شرع في عبادة كالصلاة أو الحج ونحوه فالتقوى : أن يقيمَ أركانها ويحسن في أدائها ويحقق مقاصدها..
ومن كان له ذرية فالتقوى : أن يحسنَ في تربيتها ورعايتها ولا يتركها هملاً، ولا يغشها..
والذي يهم بالتجارة لطلب الرزق، فالتقوى : أن يتعلم الحلال والحرام وأن يصدق في بيعه وشراءه وأن يبين العيوب ويترك الحلف ..
والعبد إذا غضب أو أحب أو حزن أو فرح فالتقوى : أن يضبط مشاعره بضوابط الشرع فلا يسترسل معها ويقع في المحظور..
وهكذا المؤمن .. يتقي الله في يومه وليلته: فيقوم بالفرائض والنوافل ويشغل وقته بما ينفعه ويترك الكسل والدعة ويسعى في طلب عيشه وحاجته، ويترك الذنوب ويستغفر الله مما أصاب منها..
إذن فالتقوى أن تعمل بمقتضى الشرع في حالك التي تعيشها..
وهي باختصار : فعل الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات..
وبمجموع هذه المواقف يرجى للعبد أن يكون من المتقين وأن يدخل في عدادهم ثم يرجى له ما وعدهم الله به من الفرج والغفران والعلم والفرقان والجنة والرضوان..
نسأل الله أن يجعلنا من عباده المتقين، وأن ننعم بجنته ورضوانه، وأن ننجو من ناره وغضبه.. إنه ولي ذلك والقادر عليه..
28 ذو الحجة 1443هـ